الشنقيطي
310
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر ، هو مذهب السلف أعني الصحابة والتابعين ، ثم قال : إن البرهان الكلي على أن الحق في مذهب السلف وحده ينكشف بتسليم أربعة أصول مسلمة عند كل عاقل . ثم بين أن الأول من تلك الأصول المذكورة أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم هو أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد في دينهم ودنياهم . الأصل الثاني : أنه بلغ كلما أوحى إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم ، ولم يكتم منه شيئا . الأصل الثالث : أن أعرف الناس بمعاني كلام اللّه وأحراهم بالوقوف على أسراره هم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الذين لازموه وحضروا التنزيل وعرفوا التأويل . والأصل الرابع : أن الصحابة رضي اللّه عنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل ، ولو كان التأويل من الدين أو علم الدين لأقبلوا عليه ليلا ونهارا ودعوا إليه أولادهم وأهلهم . ثم قال الغزالي : وبهذه الأصول الأربعة المسلمة عند كل مسلم نعلم بالقطع أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه . ا ه . باختصار . ولا شك أن الاستدلال الغزالي هذا لأن مذهب السلف هو الحق استدلال لا شك في صحته ، ووضوح وجه الدليل فيه ، وأن التأويل لو كان سائغا أو لازما لبين النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، ولقال به أصحابه وتابعوهم كما لا يخفى . وذكر غير واحد عن الغزالي : أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب اللّه وحفظ الأحاديث الصحيحة والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب اللّه وسنة رسوله . وذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري رحمه اللّه . واعلم أيضا أن الفخر الرازي الذي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل رجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف معترفا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات اللّه . وقد قال في ذلك في كتابه : أقسام اللذات . لقد اختبرت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فلم أجدها تروي غليلا ، ولا تشفي عليلا ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] ، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] ، وفي النفي : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) [ مريم : 65 ] ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي . ا ه .